السيد كمال الحيدري
360
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وظيفة الأنبياء والمُرسلين عليهم السلام ، ولذا فهي ليست وظيفة العاطلين أو الفاشلين في حياتهم الاجتماعية أو الباحثين عن ترف اقتصادي - كما أراد أن يُصوِّرها بعض السذّج والمُغرضين - وإنما هي وظيفة بناء الإنسان . وبإجماع التربويين وعلماء الاجتماع والمُفكِّرين أنه ليست هنالك وظيفة أعظم وأعقد وأخطر من وظيفة بناء الإنسان ؛ ولعلنا نُوفَّق للوقوف عندها في تفسيرنا لآيات التبليغ المُبين ، والحمد لله ربّ العالمين . جدير بالذكر أنَّ لمفهومي الرشد والغيّ معطيات قرآنية مهمّة تتعلَّق بتحديد هويّة الراشد وهويّة الغاوي ، وهذا ما سنقف عنده في تفسيرنا الموضوعي للآية الكريمة ، حيث سنتعرَّض هنالك إلى صفات الراشدين وصفات الغاوين من منطلق قرآني ، انطلاقاً من قاعدة بيانية القرآن لكلّ شيء . قوله تعالى : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ ) مرَّ بنا في البحث اللغوي أنَّ الكفر نقيض الإيمان والشكر معاً ، وأنَّ الأصل اللغوي فيه هو الستر ، فالكافر يستر حقيقة الإيمان المودَعة في فطرته ، المُسمَّاة قرآنياً بفطرة الله « 1 » ، والتي كان خلاصتها معرفة الله تعالى وتوحيده ، كما جاء ذلك صريحاً في كلمة الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ( فطرهم على التوحيد ) « 2 » ، فيكون مؤدَّى كفر الإنسان هو ستر صوت الفطرة الناطق بالتوحيد « 3 » .
--> ( 1 ) أي : في قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ الروم : 30 . ( 2 ) أُصول الكافي : ج 2 ، ص 13 . ( 3 ) المراد من التوحيد في المقام هو التوحيد بالمعنى العرفاني المساوق لمعرفة الله تعالى ، لا بالمعنى الكلامي ، ومعرفة الله تعالى مرتبة فوق مرتبة إثبات وجوده وفوق مرتبة توحيده بالاصطلاح الكلامي ، وللوقوف على تفصيل المسألة يُراجع كتاب : معرفة الله . .